كيف تكون خبيرا في عالم متغير – ترجمة – لمقالة بول جراهام

كيف تكون خبيرا في عالم متغير

ترجمتي لمقالة بول جراهام عن كيفية التنبؤ بالقيمة المستقبلية للأفكار 
 ديسمبر 2014

 إذا كان العالم ثابتًا، لازدادت ثقتنا في معتقداتنا بمعدل ثابت.  كلما تخطى المعتقد تجربة ما بنجاح (وكلما زاد تنوعه) كلما قلت احتمالية خطأه.  معظم الناس يؤمنون ضمنياً أن آرائهم ينطبق عليها ما سبق بشكل أو آخر. ولهم الحق في ذلك عندما تكون تلك الآراء حول أشياء لا تتغير كثيرًا، مثل الطبيعة البشرية.  لكن لا يمكننا الوثوق بآرائنا بنفس الطريقة فيما يتعلق بالأشياء التي تتغير، والتي يمكن أن تشمل فعليًا كل شيء آخر.

 عندما يكون الخبراء مخطئون، يكون ذلك غالبًا لأنهم خبراء في “نسخة معرفية قديمة عن العالم الذي نعيش فيه.

 هل من الممكن تجنب ذلك؟  هل تستطيع أن تحمي نفسك من المعتقدات القديمة؟  الإجابة إلى حد ما، نعم.  لقد قضيت ما يقرب من عقد من الزمان فى الاستثمار فى الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، ومن الغريب أن حماية نفسك من المعتقدات القديمة هو بالضبط ما عليك القيام به لتحقيق النجاح كمستثمر في الشركات الناشئة.  تبدو معظم أفكار رواد أعمال الشركات الناشئة الجيدة حقًا كأنها أفكار سيئة في أول الأمر، والكثير منها يبدو سيئًا على وجه التحديد بسبب أن تغيراً ما في العالم قد حوّلها من سيئة إلى جيدة.  لقد قضيت الكثير من الوقت في تعلم كيفية التعرف على هذه الأفكار، والتقنيات التي استخدمتها قد تكون قابلة للتطبيق على الأفكار بشكل عام.

 الخطوة الأولى هي أن يكون لديك إيمان فعلي بالتغيير.  الناس الذين يقعون ضحية للثقة المتزايدة في آرائهم يستنتجون ضمنا أن العالم ثابت، فإذا قمت بتذكير نفسك بوعي أن العالم متغيراً، فستبدأ في البحث عن التغيير.

 أين ينبغي للمرء أن يبحث عن ذلك؟  إلى جانب التعميم المفيد إلى حد ما بأن الطبيعة البشرية لا تتغير كثيرًا، فإن الحقيقة المؤسفة هي أنه من الصعب التنبؤ بالتغيير.  هذا إلى حد كبير يعتبر تكراراً ولكن يجب أن نتذكر دائماً: التغيير المهم عادة ما يأتي من مكان غير متوقع.

 لذلك أنا لا أحاول التنبؤ بالتغيير، عندما يُطلب مني في مقابلات أن أتنبأ بالمستقبل، يتعين علي دائمًا التفكير المضنى سريعاً من أجل التوصل إلى اجابة مقبولًة،  تماماً مثل الطالب الذي لم يستعد للامتحان. [1]الحقيقة أني لم أكن مستعداً بسبب الكسل. ما يبدو لى هو:
-أن معتقداتنا حول المستقبل نادراً ما تكون صحيحة لدرجة أنها عادة لا تستحق الصلابة الفكر التي تفرضها علينا، 
-وأن أفضل استراتيجية هي ببساطة أن تكون منفتح الفكر بشكل كبير.  
بدلاً من محاولة توجيه نفسك في الاتجاه الصحيح، اعترف بأنه ليس لديك فكرة عن الاتجاه الصحيح، وحاول بدلاً من ذلك أن تقوى حاستك للشعور المبكر لرياح التغيير.

 لا بأس أن يكون لديك فرضيات عما سوف تفعل، على الرغم من أن ذلك قد يقيدك قليلاً، ولكنه يحفزك أيضًا.  من المثير مطاردة الأشياء ومحاولة تخمين الإجابات. ولكن عليك أن تكون منضبطًا بشأن عدم ترك فرضياتك تتجمد في أي شيء آخر.  [2]

 وأعتقد أن هذه الطريقة فعالة  ليس فقط لتقييم الأفكار الجديدة ولكن أيضا للتوصل إليها.  طريقة التوصل إلى أفكار جديدة لا تكمن في المحاولة لفعل ذلك بشكل صريح ولكن تكمن في محاولة حل المشكلات وعدم استبعاد الأفكار الغريبة التي ستأتي إليك اثناء ذلك.

 رياح التغيير القوية تنشأ في العقل اللاوعي للخبراء في مجال ما، إذا كنت خبيرًا بدرجة كافية في أحد المجالات، فإن أي فكرة غريبة أو سؤال يبدو غير ذي صلة لما يحدث لك هو أمر يستحق الاستكشاف.  [3] داخل مسرعة الأعمال (للشركات الناشئة) Y Combinator ، عندما توصف الفكرة بأنها مجنونة، فذلك يعد مجاملة، في الواقع ربما تكون في المتوسط ​​مجاملة أكثر من أن توصف الفكرة بأنها جيدة.

 لدى مستثمري الشركات الناشئة حوافز استثنائية لتصحيح المعتقدات القديمة،  إذا استطاعوا أن يدركوا قبل أي مستثمرين آخرين أن شركة ما ناشئة هي بالفعل واعدة ولكنها تبدو للجميع غير ذلك، عندئذٍ سيربحون أموال كثيرة.  لكن الحوافز أكثر من مجرد مالية، هناك حافز اختبار آراء المستثمرين بشكل صريح: الشركات الناشئة تأتي إليهم وعليهم أن يقولوا لهم نعم أو لا، وبعد ذلك سرعان ما يعرفون ما إذا كانوا قد أخطأوا أو أصابوا.  هؤلاء المستثمرون الذين قالوا لا لشركات ناشئة أصبحت مثل جوجل (وقد كان هناك العديد من أولئك المستثمرون) سيتذكرون ذلك فيما تبقى من عمرهم.

 يكون للشخص حوافز مماثلة إذا كان ممن يراهنون على القيمة المستقبلية للأفكار وليس مجرد التعليق عليها، مما يعني أن أي شخص يريد مثل هذه الحوافز يمكنه أن يحصل عليها، عن طريق تحويل تعليقاته إلى رهانات: فمثلاً  إذا كنت تكتب عن مجال ما بشكل دائم ومعلن إلى حد ما، ستجد أنك أكثر قلقاً ممن يتكلم في محادثة عادية – في أن يكون ما تكتب دقيقاً و صحيحاً. [4]

 الطريقة الأخرى التي وجدتها لحماية نفسي من المعتقدات القديمة هي التركيز في البداية على الأشخاص بدلاً من الأفكار.  على الرغم من صعوبة التنبؤ بالاكتشافات المستقبلية، فقد وجدت أنه يمكنني التنبؤ جيدًا بنوعية الأشخاص الذين سوف يصنعونها.  الأفكار الجديدة الجيدة تأتي من الأشخاص الجادين،  المفعمين بالحيوية وذوي الفكر المستقل.

الرهان على الأشخاص بدلاً من الأفكار أنقذني مرات لا تحصى كمستثمر. على سبيل المثال  كنا نظن أن شركة Airbnb فكرة سيئة، ولكن رأينا أن المؤسسين كانوا جادين، مفعمين بالحيوية وذوي فكر مستقل.  (في الواقع، على غير العادة.) تجاهلنا ما نعتقده عن الفكرة  وقمنا بتمويلهم.

 يبدو هذا أيضًا أسلوبًا يمكن تطبيقه بشكل عام، ألا وهو: أحط نفسك بنوعية الأشخاص ممن تاني منهم الأفكار الجديدة.  إذا كنت تريد أن تلاحظ سريعاً متى تصبح معتقداتك قد عفا عليها الزمن، فليس هناك أفضل من أن تكون صديقًا لأولئك الذين ستساعدك اكتشافاتهم أن تكشف لك ذلك.

 من الصعب فعلاً ألا تصبح أسير خبراتك، لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة، لأن التغير في تسارع دائم، وهذا ليس توجه حديث،  كان التغير يتسارع منذ العصر الحجري القديم. الافكار تولد الأفكار؛ أنا لا أتوقع أن يتغير ذلك، ولكنني يمكن أن أكون مخطئاً.


 ملاحظات

 [1] طريقتى الخاصة المعتادة هي التحدث عن جوانب الحاضر التي لم يلاحظها معظم الناس حتى الآن.

 [٢] خاصةً إذا عُرفت تلك الأفكار جيدًا فان الناس يبدأون في ربطهم بشخصك.  يجب أن تكون متشككًا جدًا فيما يتعلق بما تريد تصديقه، وبمجرد أن يبدأ وبط الفرضية معك، فمن المؤكد أنها ستنتمي لهذه الفئة.

 [3] في الواقع العملي، لا يتطلب كونك “خبير بما فيه الكفاية” ان يُعترف بك كواحد من الخبراء — وهو مؤشر متأخر على أية حال،  في العديد من المجالات، سنة من العمل المركّز بالإضافة إلى الاهتمام بالكثير تكون كافية لجعلك “خبير بما فيه الكفاية”.

 [4] على الرغم من أن التعليقات تكون علنية وتستمر إلى أجل غير مسمى، في المنتديات والشبكات الاجتماعية مثل تويتر Twitter إلا أنها تعتبر كمحادثة عادية.  قد تكون العامل المحدد هو ما إذا كان ما تكتبه له عنوان أو لا.

 شكراً لكل من سام التمان ، باتريك كوليسون ، وروبرت موريس لمراجعة المسودات لهذا المقال.

One thought on “كيف تكون خبيرا في عالم متغير – ترجمة – لمقالة بول جراهام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.